ملا محمد مهدي النراقي
56
جامع السعادات
الحاجة فيه لا ينضبط لا سيما إذا انضم إليه الخوف وسوء الظن بالعواقب والخائض في طلب الجاه سالك طريق الهلاك ، بل حق الزاهد ألا يسعى لطلب المحل في القلوب أصلا ، فإن اشتغاله بالدين والعبادة يمهد له من المحل في القلوب ما يدفع عنه الأذى ولو كان بين الكفار فكيف بين المسلمين . وأما التوهمات والتقديرات التي تخرج إلى الزيادة في الجاه على الحاصل بغير كسب فهي أوهام كاذبة ، إذ من طلب الجاه أيضا لم يخل عن أذى في بعض الأوقات فعلاج ذلك بالاحتمال والصبر أولى من علاجه بطلب الجاه ، فإذن طلب المحل في القلوب لا رخصة فيه أصلا واليسير منه داع إلى الكثير وضراوته أشد من ضراوة الخمر فليحترز من قليله وكثيره ، نعم ما أعطاه الله لبعض عبيده من دون سعيه في طلبه لنشر دينه أو لاتصافه ببعض الكمالات المختصة لحصول منزلة له في القلوب ، فليس به بأس ولا ينافي الزهد ، فإن جاء رسول الله ( ص ) كان أوسع الجاه مع كونه أزهد الناس . والحق كما تقدم أن الجاه كالمال في نفي البأس من قدر يضطر إليه الإنسان إذا وقع في زمان أو بلد توقف أمر معيشته عليه . فالقدر الضروري منهما غير محذور وغير مناف للزهد ، والزائد على الحاجة سم قاتل ، فلا ينبغي أن ينسب المقتصر على الضرورة إلى الدنيا ، بل ذلك القدر من الدين ، لأنه من شرطه والشرط من جملة المشروط . ويدل عليه ما روي أن إبراهيم عليه السلام أصابته حاجة فذهب إلى صديق له يستقرض شيئا فلم يقرضه ، فرجع مهموما ، فأوحى الله تعالى إليه : ( لو سألت خليلك لأعطاك ) ، فقال يا رب : ( عرفت مقتك للدنيا فخفت أن أسألك منها ) ، فأوحى الله إليه : ( ليس الحاجة من الدنيا ) ويدل عليه أيضا كلام الصادق عليه السلام مع سفيان الثوري كما أورده بطوله شيخنا الأقدم رحمه الله في جامعه الكافي . فإذن قدر الحاجة من الدين وما وراءه وبال في الآخرة ، بل في الدنيا أيضا ، ويعرف ذلك بالتأمل في أحوال الأغنياء وما عليهم من المحنة في كسب المال وجمعه وحفظه وتحمل الذل فيه ، وغاية سعادته أن يتركه لورثته ، فيأكلونه وهم أعداؤه ، أو يستعينون به على المعصية ، فيكون معينا لهم عليها ، ولذلك شبه جامع الدنيا وتابع الشهوات بدود القز ، لا يزال ينسج